محمد ابراهيم شادي

تمهيد 11

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

لقد خطا البحث عن الإعجاز العلمي في هذا العصر خطوات موفقة لم يجاريها الباحثون في الإعجاز البياني ، ولقد افتقدت في مؤلفات هؤلاء جانبا يلح على الفكر وهو البحث التطبيقي الذي يضع اليد على خصائص مميزة لأسلوب القرآن عما سواه ، ومع أن في كتب القدماء بذورا جيدة كان يمكن أن تشكل أساسا لمنهج مكتمل ، ولا سيما ما كان عند عبد القاهر إلا أن اللاحقين لم يتعهدوها بالتنمية والتطوير والتطبيق إلا فيما ندر . وهناك سؤال قائم هو : ألا يمكن أن يدرك الإعجاز من غير موازنة ؟ والحق أن هذا لا يمكن إلا في حالتين : الأولى : وجود السليقة العربية التي تمكّن صاحبها من إدراك الفروق بين الأساليب : الفصيح منها والأفصح والمتفرد الذي ليس له نظير كما أحس العرب عندما نزل عليهم القرآن بتفرده وأنه ليس من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وأنه ليس بالذي عرفوه من شعر أو نثر . الثانية : عندما مضى عصر السليقة والفطرة اللغوية النقية لجأ العلماء إلى الوسيلة البديلة وهي الدراسة والتعلم والمعرفة بأشعار العرب ولغتها وكيفية المفاضلة بين كلام وكلام ، على أن ذلك كله لا يغني من غير ذوق موروث قادر على الإحساس بالجمال وضروبه ، ويتبلور هذا كله في الذوق المدرب المثقف الذي كان عليه علماء البحث في الإعجاز كالرماني والخطابي والباقلاني وعبد القاهر وغيرهم وكلهم من نقاد الشعر ، أما عند افتقاد السليقة والتعلم كما نجد في كثير من الناس من هذه الأمة ، وعند متعلمي العربية من الأمم والملل الأخرى فلا مفر من خطاب هؤلاء جميعا عن الإعجاز بالمنهج الذي يعتمد على البرهان والحجة الدالة على أن هذا القرآن من عند اللّه وأنه كتاب رسالة الإسلام وأنه ليس في طاقة بشر ولا يمكن أن يبدعه بشر ، ذلك المنهج الذي يثبت هذا هو منهج الموازنة بين نصوص القرآن ونصوص أفصح الخلق وأفصح الشعراء وأفصح الأدباء ، فإذا ثبت أن كتاب اللّه يتفوق